تفسير الصيام في المنام عند 8 من المفسرين ودلالة الإفطار
قيل إن الصيام في المنام يدل على سلامة الدين وحفظ اللسان والتوبة والعز، وصيام رمضان بيان بعد شك وفرج للمهموم، والإفطار في وقته رزق، وقبل وقته تنبيه من الغيبة، والله أعلم.
| الرائي | الدلالة الغالبة كما وردت في المقال |
|---|---|
| العزباء | قد يدل صيامها على صلاح دينها وحفظ لسانها وانجلاء أمر حيّرها، وإفطارها عند المغرب رجاء رزق وذهاب همّ. |
| المتزوجة | قيل إن صيامها صلاح وبرّ بأهلها ويُرجى منه الولد، ورؤية أهل بيتها صائمين بلا سبب تنبيه إلى ضيق في المعيشة. |
| الحامل | يُرجى من صيامها الأمن والوقاية من الأذى ورجاء الولد الصالح، وإفطارها في وقته رجاء لذهاب الخوف. |
| المطلقة | قد يدل صيامها قضاءً أو نذراً على قضاء حوائجها وانفراج ما ضاق عليها، والعيد بعد الصيام فرج بعد همّ. |
| الأرملة | قيل إن صيامها وقاية من الأذى وأمن من الخوف، وصيامها مع الناس في رمضان رجاء لتفريج همّها. |
| الرجل | قد يدل صيامه على القدر والرياسة والعزّ والتوبة، وإفطاره ناسياً رزق حلال، وقبل الوقت تنبيه من الغيبة. |
فهرس المقال
يرى كثير من الناس الصيام في المنام، فيستيقظون وفي نفوسهم سؤال: أهي بشارة بخير، أم تنبيه إلى تقصير؟ والجواب عند المعبّرين يتوقف على تفاصيل الرؤيا: أكان الصوم في رمضان أم تطوعاً أم نذراً؟ وهل أتمّ الرائي صومه حتى المغرب، أم أفطر قبل وقته، أم أكل ناسياً؟ ولكل حالة من هذه الحالات دلالة مستقلة في كتب التعبير، ويغلب على أكثرها الخير، من صلاح الدين وحفظ اللسان إلى الفرج بعد الضيق، والله أعلم.
وقد جمعنا مادة هذه المقالة من أمهات كتب التعبير، وفي مقدمتها تعطير الأنام للنابلسي، والإشارات في علم العبارات لابن شاهين، ومنتخب الكلام المنسوب إلى ابن سيرين، مع ما في البدر المنير وكتابَي ابن غنام والإحسائي. ونعرض أقوال المفسرين واحداً واحداً، ثم نفصّل أحوال الصيام والإفطار والسحور ورؤية الهلال، وما يختلف باختلاف حال الرائي. وكل ما نذكره اجتهاد من المعبّرين في تأويل الرؤى، لا حكم شرعي في الصيام ولا فتوى.
أقوال المفسرين في تفسير الصيام في المنام
تفسير الصيام في المنام لابن سيرين
لم يُنقل عن ابن سيرين في هذا الباب قول مفصّل، فأكثر ما في الكتاب المنسوب إليه تحت عنوان «الصوم والفطر» منقول عن أبي سعيد الواعظ كما سيأتي. لكن رُويت عنه حكايتان تكشفان طريقته في ربط المنام بحال صاحبه: فقد جاءه رجل فقال: رأيت كأن في يدي خاتماً أختم به على أفواه الناس، فقال له: أنت مؤذّن تؤذّن في رمضان قبل الوقت، فتمنع الناس طعامهم وشرابهم. ولرؤيا الأذان نفسها تفصيل في مقالة تفسير الأذان في المنام عند 7 من المفسرين ودلالة كل موضع.
وجاءه آخر فقال: رأيت كأني آكل حمّصاً حارّاً، فعبّرها بأنه يقبّل زوجته في رمضان وهو صائم، فأقرّ الرجل بذلك. وفي الحكايتين ما يبيّن أن ابن سيرين لم يكن يقف عند الرمز وحده، بل يقرنه بما يلابس الرائي من عمل وحال.
رؤيا الصوم عند جعفر الصادق
نقل ابن شاهين عن جعفر الصادق أن رؤيا الصوم تُؤوَّل على عشرة أوجه: القدر، والرياسة، والصحة، والمرتبة، والتوبة، والظفر، وزيادة النعمة، والحج، والعزّ، والولد. وهي وجوه محمودة كلها، تجمع بين رفعة في الدنيا وصلاح في الدين، فيُرجى لصاحب هذه الرؤيا الخير ولا يُقطع له به.
الصوم والفطر عند أبي سعيد الواعظ
عقد أبو سعيد الواعظ باباً للصوم والفطر، نقله منتخب الكلام والكتاب المنسوب إلى ابن سيرين، واستشهد ببعضه ابن شاهين. وافتتحه بذكر اختلاف المعبّرين فيمن رأى أنه في شهر الصوم: فبعضهم عبّره بغلاء الأسعار وضيق الطعام، وبعضهم عبّره بصحة الدين والخروج من الغموم والشفاء من الأمراض وقضاء الديون. ومن رأى أنه صام رمضان حتى أفطر، وكان في شكّ من أمر، رُجي أن يأتيه البيان، أخذاً من قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، وإن كان لا يقرأ رُجي له حفظ القرآن.
ومن أقواله أن من رأى أنه يصوم الدهر يُرجى له اجتناب المعاصي، وأن من صام في المنام رياءً وسمعة لا يدرك ما يطلبه، وأن من رأى أنه صائم ولا يدري أفرضٌ صومه أم نفل فقد يكون عليه نذر لم يوفِ به، وربما دلّ على لزوم الصمت، لأن الصوم في أصله إمساك وسكوت. ومن رأى أنه في يوم عيد رُجي له الخروج من همومه وعودة السرور واليسر إليه.
الصيام عند صاحب البدر المنير
يرى شهاب الدين المقدسي، صاحب «البدر المنير في علم التعبير»، أن الصيام يدل على ما تدل عليه العبادات عامة، لكنه يختلف باختلاف حال الرائي: فهو لمن ينوي سفراً تعطيل لسفره أو مشقة يلقاها فيه، وللمريض الذي يضرّه الطعام عافية، وقد كرهه لمريض لا يضرّه الطعام. وربما دل عنده على الانقطاع عن علائق الدنيا، أو تعطّل المعايش.
وكان يعتبر حال الصائم في التعبير: فقد رأى رجل أنه كثير الصوم، وليس ذلك من شأنه، فقال له: يصيب فمك عارض يمنعك الطعام، ورأى آخر أنه صام يوم العيد، فعبّره بأنه يقع منه أمر مكروه.
الصوم في المنام عند ابن غنام
يقرّر ابن غنام أن الصوم والنذر يتبادلان الدلالة، فالصوم في المنام يدل على النذر، والنذر يدل على الصوم، أخذاً من قول مريم عليها السلام: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، ولذلك قيل إن من رأى نفسه صائماً قد يُرزق ولداً ذكراً. ومن رأى أنه صام رُجي له العزّ والتوبة، أو أن يكفّر عن يمين، أو يحجّ، أخذاً من قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، ومن هنا كثر في كتب التعبير الربط بين الصوم والحج، ولرؤيا الحج تفصيلها في مقالة تفسير الحج في المنام عند 8 من المفسرين ودلالة العمرة.
وعنده أن الصوم أمان من الأعداء، استناداً إلى الحديث: «الصوم جُنّة»، وأن من رأى صائماً أفطر فقد يمرض أو يسافر، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. ونبّه إلى أن الصوم قد يكون أحياناً إشارة إلى ضيق أو علّة تمنع صاحبها الطعام، ولم يستحسن أن يقترن الصوم في المنام بسفر إلى جهة مجهولة. ومن رأى أنه فاته صوم ولم يجد ماء فقد يتعسّر عليه أمره، فإن تيمّم رُجي له قرب النجاة.
الصيام في المنام عند ابن شاهين
أفرد ابن شاهين في الإشارات فصلاً لرؤيا الصيام والفطر، ومن أقواله فيه أن من رأى نفسه صائماً فهو سليم الدين قليل الكلام فيما لا يعنيه، ومن رأى أنه يفعل ما لا يليق بالصائم ففي دينه نقص. ومن رأى أنه صام تطوعاً رُجي له الأمن من المرض، ومن صام شهرين رُجيت له التوبة من ذنوبه، ومن صام سنة متصلة رُجيت له التوبة أو الحج، ومن صام يوم عاشوراء رُجي له الخلاص من همّه. ونقل عن بعض المعبّرين أن رؤيا الصوم قد تدل على الصحة، وجعل لشهر رمضان وجوهاً، منها توبة الله على عباده، والكفّ عن المعاصي، وإحياء السنة، وكثرة الرزق.
تفسير الصيام في المنام للنابلسي
أطال النابلسي في تعطير الأنام الكلام على الصوم، فوافق ابن غنام في أن الصوم يدل على النذر، وأن من صام في المنام رُجي له العزّ والتوبة أو الحج، وأن الصائم قد يُرزق ولداً. وزاد أن الصوم المطلق الذي لا يُعرف نوعه وقاية من الأعداء وحماية من الأذى، وقد يدل على الصمت، أو على الفرح والسرور، أو على الإخلاص لله في القول والعمل، وإن كان الصائم مريضاً رُجي له الشفاء.
ومن تفصيله أن الفطر بعد تمام الصوم دليل على شفاء المريض وتتابع الأفراح، وأن صوم القضاء يدل على فكّ الأسير وتوبة العاصي وقضاء الديون، وصوم النذر على قضاء الحوائج والفرح. وفصّل كذلك في صوم الأيام الفاضلة كالست من شوال وعرفة وعاشوراء، وسيأتي ذلك في موضعه.
رؤية الصوم عند الإحسائي
سار الإحسائي في «تنبيه الأفهام» على ما ذكره ابن شاهين: فالصائم في المنام سليم الدين أو قليل الكلام فيما لا يعنيه، ومن أفطر في وقته رُجي له خير في دينه ودنياه ورزق واسع، وذهاب للهمّ والخوف، ومن أفطر ناسياً رُجي له رزق حلال. وزاد في أبواب أخرى رموزاً تُعبَّر بالصوم، منها أن يرى الإنسان لجاماً في فمه، فهو عنده صوم لأهل الصلاح وزجر لأهل الفساد، ومنها أن يرى وجهه مدهوناً، فذلك صوم الدهر.
تفسير رؤية صيام رمضان في المنام
رؤية صيام رمضان في المنام
ذكر النابلسي أن من رأى أنه صائم في رمضان يُرجى أن يتبيّن له أمر كان في شك منه، وأن يكمل شأنه وينال بشارة وخيراً، وإن كان لا يقرأ رُجي له حفظ القرآن، ووافقه ابن غنام في معنى البيان بعد الشك. ومن رأى أنه صائم في رمضان، وحده أو مع الناس، فقد تدل رؤياه على صلاح في دينه وبرّ ونسك، فإن كان مهموماً رُجي له الفرج، أو مريضاً رُجي له الشفاء، أو حائراً رُجيت له الهداية، أو مديناً رُجي له قضاء دينه.
وعنده أيضاً أن صوم رمضان في المنام أمان من الخوف، وأن المصروع إذا رأى أنه يصومه رُجيت له العافية، لأن الشياطين تُصفَّد فيه، وقد يدل على قضاء الدين وتوبة المقصّر.
رؤية شهر رمضان في المنام
ومن رأى شهر رمضان نفسه في منامه، دون أن يرى صياماً، فقد ذكر النابلسي أن رؤياه تدل على البركة والخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن طالب العلم أو القرآن يُرجى له نيل ما يطلب، لأن القرآن نزل فيه. وعدّ ابن شاهين من وجوهه توبة الله على عباده والكفّ عن المعاصي وكثرة الرزق، أما الخلاف في دلالته على الغلاء أو على صحة الدين فقد مرّ عند أبي سعيد الواعظ.
هل تصدق الرؤيا في شهر رمضان؟
هذا سؤال يتكرر كثيراً، وقد أجاب عنه النابلسي وابن غنام بما يطمئن الرائي: فرؤيا الخير في رمضان تصحّ ويتعجّل تحققها، أما الرؤيا الرديئة فيه فلا تصحّ، ويعدّها النابلسي من أضغاث الأحلام التي لا تُعبَّر، لأن أبواب الفواحش والعسر تُغلق في هذا الشهر. فمن رأى في رمضان ما يكره، فليس لرؤياه عندهم تأويل يُخشى، والله أعلم.
صيام التطوع والنذر والقضاء في المنام
صيام التطوع في المنام
يكاد المعبّرون يتفقون على أن صيام التطوع في المنام بشارة بالعافية: فقد ذكر ابن شاهين والإحسائي أن من رأى أنه صام تطوعاً رُجي له الأمن من المرض، وقال أبو سعيد الواعظ إنه لا يمرض في تلك السنة، وربط بعض المعبّرين بين الصوم والصحة عامة. فمن رأى أنه يصوم نافلة رُجيت له سلامة البدن، مع ما في الصوم من دلالة على صلاح الدين.
صيام النذر والكفارة في المنام
والصوم والنذر متلازمان في كتب التعبير كما مرّ، ورؤيا صوم النذر تدل عند النابلسي على قضاء الحوائج والفرح والسرور. ومن رأى أنه صائم ولا يدري أفرضٌ صومه أم نفل، فقد مرّ أن أبا سعيد الواعظ عبّره بنذر لم يُوفَ به، أو بلزوم الصمت.
وأما صيام الشهرين المتتابعين لكفارة، فقد عبّره أبو سعيد بالتوبة من ذنب يلابسه الرائي، ووافقه ابن شاهين في أن صوم شهرين توبة من الذنوب، وزاد النابلسي أن صاحبه قد يمرض ويتوب. وهذه دلالات يذكرها المعبّرون في تأويل الرؤيا، أما ما يلزم الإنسان من نذر أو كفارة في يقظته فبابه كتب الفقه وأهل الفتوى، لا المنام.
صيام القضاء في المنام
وقد اختلف المعبّرون في صوم القضاء: فعدّه النابلسي من الرؤى المحمودة، تدل على فكّ الأسير وتوبة العاصي وقضاء الديون، في حين ذكر أبو سعيد الواعظ أن من رأى أنه يقضي صيام رمضان بعد انقضاء الشهر قد يمرّ بعارض في صحته، ونقل النابلسي هذا القول أيضاً. ومن ثمّ يُنظر في تفاصيل الرؤيا وحال صاحبها قبل الترجيح بين القولين.
صيام الدهر في المنام
من رأى أنه يصوم الدهر كله، فقد عبّره أبو سعيد الواعظ باجتناب المعاصي، وفصّل النابلسي فجعله لأهل الصلاح اجتناباً للمعاصي، ولغيرهم إشارة إلى أنهم لا يبلغون ما يريدون، وذكر أنه قد يدل على التزام أمر شاق أو ابتداع ما ليس من السنة، وربما دل على كثرة الصمت وألا يتكلم صاحبه إلا بخير. وعند ابن شاهين أن من صام سنة متصلة رُجيت له التوبة أو الحج. ومن اعتاد صيام الدهر ثم رأى أنه أفطر، فقد عدّه أبو سعيد تنبيهاً من غيبة يقع فيها، أو عارض يصيب صحته.
صيام الأيام الفاضلة في المنام
فصّل النابلسي دلالة الصوم في المنام بحسب اليوم أو الشهر الذي يصومه الرائي، ومن ذلك:
- صوم الست من شوال: جبر تقصير في الصلاة، أو أداء الزكاة، أو الندم على ما فات.
- صوم الاثنين والخميس: صلة الرحم والتودد إلى الأقارب، وربما الزواج منهم.
- صوم الأيام البيض: سداد الدين على أقساط، أو تعلّم القرآن والعلم.
- صوم عشر المحرم: الزهد والورع والحج.
- صوم يوم عرفة: قبول الصدقات ونيلها.
- صوم عشر ذي الحجة: إنجاز وعد يُنتظر.
- صوم عاشوراء: فعل الخيرات والسلامة من الفتن والرزق الحلال، ويُرجى لمن كانت زوجته حاملاً ولد صالح.
- صوم رجب: خدمة أصحاب المقامات العالية، وربما طلب الربح من سفر.
- صوم شعبان: السعي في طلب الربح بالتجارة.
وأما صوم يوم الشك فعدّه النابلسي تنبيهاً من الوقوع في بعض الذنوب، وتقدّم أن صاحب البدر المنير عبّر صوم يوم العيد بأمر مكروه.
تفسير الإفطار في المنام
الإفطار في وقته في المنام
من رأى أنه صائم ثم أفطر عند حلول وقت الإفطار، فقد ذكر ابن شاهين والإحسائي أنه يُرجى له خير في دينه ودنياه ورزق واسع، وذهاب للهمّ والخوف. وعند النابلسي أن الفطر بعد تمام الصوم دليل على شفاء المريض وتتابع الأفراح، وتقدّم عند أبي سعيد أن من صام رمضان حتى أفطر وهو في حيرة رُجي له أن يتبيّن وجه الصواب. فهذه من أحسن صور الرؤيا في هذا الباب، والله أعلم.
الإفطار ناسياً في المنام
ومن رأى أنه أكل أو شرب ناسياً وهو صائم، فرؤياه عند النابلسي رزق حسن، وعند ابن شاهين والإحسائي رزق حلال يُرجى له. وقد اتفقت الكتب الثلاثة على حمد هذه الرؤيا، فلا وجه للقلق منها.
الإفطار قبل وقته وفي نهار رمضان
أما من رأى أنه أفطر قبل وقته، فقد ذكر ابن شاهين والإحسائي أنه قد يقع في غيبة الناس أو في الكذب، وربما دل على مرض أو سفر، أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. ونقل النابلسي وابن غنام أن من أفطر في المنام قد يغتاب أحداً من المسلمين، لأن الغيبة شُبّهت بالأكل في قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾. وعند النابلسي أن الأكل في أيام الصوم قد يدل على الوقوع في بعض المحظورات أو الدَّين أو المرض، وربما دل على رزق من حيث لا يحتسب.
وفي المقابل، ذكر النابلسي، ونقل أبو سعيد الواعظ، أن من رأى نفسه مفطراً في رمضان قد يكون على الفطرة السليمة، أو يسافر سفراً في طاعة الله. وأما من رأى أنه يفعل ما يُفسد الصوم، فقد عدّه النابلسي إشارة إلى نقض عهد، أو إيثار للدنيا على الآخرة، أو الحنث في يمين.
وشدّد بعض المعبّرين فيمن رأى أنه أفطر في رمضان متعمداً: فذكر ابن شاهين أنه يلقى تعباً في سفره أو عناءً يصيبه، وقرنه النابلسي، ونقله أبو سعيد بصيغة «قيل»، بالوقوع في كبيرة من الكبائر، وجعلا ترك الصوم جحوداً في المنام علامة على التهاون ببعض شرائع الدين. ثم استدركا: فإن رأى أنه أقرّ بالصوم ونوى قضاءه، فذلك رزق يُرجى أن يأتيه عاجلاً من حيث لا يحتسب.
وهذا كله من باب التنبيه الذي يدعو الرائي إلى مراجعة نفسه، لا من باب الحكم عليه، ولا صلة له بأحكام الصيام وقضائه وكفارته في اليقظة، فتلك بابها الفقه وأهل الفتوى.
السحور ورؤية الهلال وعيد الفطر في المنام
السحور في المنام
ذكر النابلسي أن سحور الصائم في المنام قد يدل على توبة العاصي، وهداية الضالّ، ورزق يسير يأتي صاحبه، وقد يدل على كيد يدبّره خصم. ولم نجد للسحور في بقية الكتب التي رجعنا إليها باباً مستقلاً، غير أن حكاية ابن سيرين المتقدمة تتصل بوقته، إذ عبّر من يختم على أفواه الناس بمؤذّن يؤذّن قبل الوقت في رمضان، فيمنعهم طعامهم وشرابهم قبل أوانه.
رؤية الهلال في المنام
الهلال إذا طلع في موضعه قد يدل عند النابلسي وابن غنام على ولد كريم لمن رآه، أو ولاية، أو ربح في تجارة، وطلوعه في غير أول الشهر خبر فيه سرور، أو قدوم غائب، أو مولود. وذكر النابلسي أنه قد يدل على صدق وعد أو قبض مال، لأن الديون تحلّ عند مطلع الشهر، وعلى توبة العاصي والخروج من الشدائد وشفاء المريض.
وعدّه صاحب البدر المنير بشارة أو قدوم غائب، وخلاصاً للمسجون والمريض، غير أنه لمن عليه دين مطالبات وهموم. ومن رأى أهلّة مجتمعة فقد يُرزق الحج، أخذاً من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، وقال بعضهم: رؤيا الهلال نصرة على العدو.
أما إذا طلع من غير مطلعه فهو أمر منكر، فإن غاب سريعاً فذلك المنكر لا يدوم، ومن رآه طلع ثم غاب فالأمر الذي يطلبه لا يتمّ له. وكرهوا أن يُرى الهلال مظلماً أو على هيئة منكرة، وأن ينفرد الرائي برؤيته والناس يلتمسونه فلا يرونه، ورؤيته في أول ظهوره خير من رؤيته وهو ينقص. ولما يتصل بالقمر في سائر أحواله تفصيل في مقالة الشمس والقمر في المنام ودلالاتهما عند كبار المفسرين.
العيد وزكاة الفطر في المنام
العيد في المنام عند ابن غنام فرح وسرور، ومن فقد شيئاً ثم رأى أنه في عيد رُجي أن يعود إليه ما فقد، فإن كان عيد الفطر رُجي له الخروج من همّ إلى فرج، لما في رمضان من الإمساك عن الطعام والشراب، والعيد عنده سعة في المعيشة وكثرة في المنفعة. وبنحو ذلك قال النابلسي، وجعل شهر شوال دليلاً على الخلاص من الشدائد والسرور، لأن أوله عيد، وذكر ابن شاهين أنه شروع في أمر أو افتتاح سفر.
وأما زكاة الفطر، فقد ذكر ابن غنام والنابلسي، وهو في منتخب الكلام كذلك، أن من رأى أنه أخرجها يُرجى أن يكثر من الصلاة والتسبيح، وأن يقضي ديناً إن كان عليه، ويسلم في عامه ذلك من المرض، أخذاً من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. أما صلاة العيد وصلاة التراويح فبابهما مقالة تفسير الصلاة في المنام عند 12 من المفسرين ودلالة كل حالة.
صيام الآخرين ورموز تدل على الصيام في المنام
رؤية الناس أو أهل البيت صائمين في المنام
إذا رأى الإنسان الناس صائمين من غير سبب ظاهر، فقد عدّه النابلسي دليلاً على القحط وضيق المعيشة، وهو قريب مما نقله أبو سعيد عن بعض المعبّرين من أن رؤية شهر الصوم غلاء في الأسعار. وكان صاحب البدر المنير يعتبر حال الرائي في مثل هذا، فقد قال له رجل: رأيت كل من عندي صائماً، فعبّره بأن أهله ودوابه لم يصبهم شيء من الطعام، ورأى آخر أنه أفرغ أواني بيته وبطون أهله، فقال له: ألزمتهم جميعاً بالصوم. ومن رأى صائماً أفطر فقد يدل ذلك على مرض أو سفر كما مرّ.
رموز في المنام تُعبَّر بالصيام
ومن لطائف كتب التعبير أن الصيام لا يُعرف من رؤيته وحدها، فقد عبّر المعبّرون رموزاً أخرى بالصوم، منها:
- اللجام في الفم: صوم لأهل الصلاح، وزجر لأهل الفساد، عند ابن شاهين والإحسائي.
- الوجه المدهون: صوم الدهر، عند الإحسائي، وهو في منتخب الكلام أيضاً.
- الترس: يدل على الصوم عند النابلسي، لأن «الصوم جُنّة».
- الجوع: يدل على الصوم إذا رآه الزاهد، عند ابن غنام.
- السرّة: يشبّهها ابن غنام بفم من يصوم الدهر، فإذا رُئيت مفتوحة أفطر الصائم وانكشف السر.
- القيء: يدل على فطر الصائم عند صاحب البدر المنير.
- التواصل: يدل على صلة الرحم ومواصلة الصوم عند النابلسي.
- دفع المهر لامرأة غير معروفة في اليقظة: أداء ما على الرائي من فريضة الصوم أو الصلاة أو الحج، عند النابلسي.
تفسير الصيام في المنام بحسب حال الرائي
لم تفصّل كتب التعبير القديمة رؤيا الصيام بحسب حال الرائي على النحو المعروف اليوم، وإنما وضعت قواعد عامة يُستأنس بها في كل حالة، وما يلي مبنيّ على تلك القواعد، لا منسوب إلى مفسّر بعينه.
تفسير الصيام في المنام للعزباء
وعلى ما تقدّم، فرؤية العزباء أنها صائمة قد تدل على سلامة دينها وحفظ لسانها عمّا لا يعنيها، وعلى انجلاء أمر تتردد فيه، لأن صيام رمضان عند المعبّرين بيان بعد شك. وإن رأت أنها أفطرت عند المغرب رُجي لها رزق وذهاب همّ، وإن رأت أنها أفطرت قبل الوقت فذلك تنبيه لها من الغيبة وفضول الكلام. وقيل إن رؤيتها العيد بعد الصيام خروج من ضيق إلى سعة.
تفسير الصيام في المنام للمتزوجة
وعلى ما تقدّم، فصيام المتزوجة في المنام قد يدل على صلاح حالها وبرّها بأهلها، ولا سيما إن رأت أنها تصوم الاثنين والخميس، لما فيه من معنى صلة الرحم والتودد إلى الأقارب. وقيل: من رأت نفسها صائمة رُجي لها الولد، لما بين الصوم والنذر من صلة في قصة مريم. وإن رأت أهل بيتها صائمين من غير سبب، فقد يكون ذلك تنبيهاً إلى ضيق في المعيشة.
تفسير الصيام في المنام للحامل
وعلى ما تقدّم، فصيام الحامل في المنام يُرجى أن يكون أمناً لها ووقاية من الأذى، لأن الصوم جُنّة عند المعبّرين. وقيل إن من رأى أنه صائم قد يُرزق ولداً، وإن من صام عاشوراء وزوجته حامل رُجي له ولد صالح، فلها من ذلك رجاء الولد الصالح، والعلم عند الله في نوعه. وإفطارها في وقته رجاء لذهاب الخوف عنها وسعة في رزقها.
تفسير الصيام في المنام للمطلقة
وعلى ما تقدّم، فرؤية المطلقة أنها تصوم قضاءً أو نذراً قد تدل على قضاء حوائجها وانفراج ما ضاق عليها، فإن صوم القضاء عند المعبّرين فكّ للأسير وقضاء للدين، وصوم النذر قضاء للحوائج وفرح. وإن رأت أنها صامت رمضان حتى أفطرت رُجي أن يتضح لها ما كانت فيه من حيرة، وقيل إن العيد بعد الصيام خروج من همّ إلى فرج.
تفسير الصيام في المنام للأرملة
وعلى ما تقدّم، فصيام الأرملة في المنام قد يدل على وقاية من الأذى وأمن من الخوف، وعلى صلاح في الدين وتوبة، فإن رأت أنها تصوم رمضان مع الناس رُجي أن يُفرَّج همّها، وإن رأت أنها تصوم تطوعاً رُجيت لها العافية في بدنها. وقيل إن رؤيتها السحور رزق يسير يأتيها، وإن إخراجها زكاة الفطر قضاء لدين وسلامة من المرض.
تفسير الصيام في المنام للرجل
وعلى ما تقدّم، فصيام الرجل في المنام قد يدل على قدر ورياسة وعزّ وتوبة، وقد يُرجى له الولد، وقيل إنه لمن ينوي سفراً تعطيل لسفره أو مشقة فيه، وإن رأى التاجر أنه يصوم شعبان فذلك سعي منه في طلب الربح. وإن رأى أنه أفطر ناسياً رُجي له رزق حلال، وإن رأى أنه أفطر قبل الوقت فتنبيه له من الغيبة والكذب، وما كان أشد من ذلك فهو تنبيه يدعوه إلى مراجعة نفسه، لا حكم عليه.
خلاصة القول
خلاصة ما في كتب التعبير أن الصيام في المنام يغلب عليه الخير: فهو سلامة في الدين وحفظ للسان، ووقاية من الأذى، ورجاء للتوبة والعزّ، وصيام رمضان بيان بعد شك وفرج للمهموم وعافية للمريض، وصيام التطوع رجاء للعافية، وصيام النذر قضاء للحوائج. والإفطار في وقته رزق وذهاب همّ، والإفطار ناسياً رزق حلال، أما الإفطار قبل وقته فتنبيه من الغيبة وفضول الكلام، ويغلب على السحور والهلال والعيد معنى التوبة والفرج والبشارة.
ويبقى تفسير الرؤى اجتهاداً من المعبّرين، يصيب ويخطئ، ويتغير بتغير حال الرائي وما يلابس رؤياه، والغيب لا يعلمه إلا الله. وما ورد في هذه الكتب من دلالات للصيام والإفطار والقضاء والكفارة إنما هو تأويل للرؤيا لا حكم شرعي، ومن أشكل عليه شيء من أحكام الصيام في يقظته فليرجع إلى أهل العلم، والله أعلم.
أسئلة شائعة حول الصيام
ما تفسير رؤية الصيام في المنام؟
قيل إن الصائم في المنام سليم الدين قليل الكلام فيما لا يعنيه، وعدّ جعفر الصادق لرؤيا الصوم عشرة أوجه، منها القدر والرياسة والصحة والتوبة والحج والعزّ والولد، والله أعلم.
ما معنى صيام رمضان في المنام؟
ذكر النابلسي أنه قد يدل على تبيّن أمر كان الرائي في شك منه، ورجاء الفرج للمهموم والشفاء للمريض وقضاء الدين، وعدّه أماناً من الخوف.
ما تفسير الإفطار قبل المغرب في المنام؟
ذكر ابن شاهين والإحسائي أنه تنبيه من الغيبة أو الكذب، وربما دل على مرض أو سفر، وهو عند المعبّرين تنبيه يدعو إلى مراجعة النفس لا حكم على الرائي.
هل رؤية الأكل ناسياً وأنا صائم في المنام خير؟
نعم في الجملة، فقد عدّها النابلسي رزقاً حسناً، وعدّها ابن شاهين والإحسائي رزقاً حلالاً يُرجى للرائي.
ما تفسير رؤية السحور والهلال في المنام؟
ذكر النابلسي أن السحور قد يدل على توبة العاصي وهداية الضال ورزق يسير، والهلال إذا طلع في موضعه قد يدل على مولود أو ولاية أو ربح أو قدوم غائب.
هل تعني رؤية الإفطار عمداً في المنام أن على الرائي قضاءً أو كفارة؟
ما ذكره المعبّرون في هذا الباب تأويل للرؤيا وتنبيه للرائي، لا حكم فقهي، وأحكام القضاء والكفارة بابها كتب الفقه وأهل الفتوى لا كتب التعبير.
التفسيرات الواردة اجتهادات مبنية على كتب التعبير المعتمدة، والغيب لا يعلمه إلا الله.


